أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
526
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
إذ يصير التقدير : من بعد أن ظلمه ، ولو صرّح بهذا الأصل لم يجز لأنه يؤدي إلى تعدّي فعل المضمر إلى ضميره المتصل ، وذلك لا يجوز إلا في باب ظن وفقد وعدم ، كذلك قاله الشيخ « 1 » ، وفي نظره نظر ، لأنّا إذا حللنا المصدر لحرف مصدري وفعل فإنما يأتي بعد الفعل بما يصحّ تقديره ، وهو لفظ النفس ، أي من بعد أن ظلم نفسه . قوله تعالى : لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ : قد تقدّم « 2 » أنّ « يحزن » يقرأ بفتح الياء وضمّها وأنهما لغتان ، وهل هما بمعنى أو بينهما فرق ؟ والنهي للذين في الظاهر وهو من باب قوله : « لا أرينّك ههنا » أي : لا تتعاط أسبابا يحصل لك بها حزن من جهتهم ، وتقدم لك تحقيق ذلك مرارا ، وقول أبي البقاء في « يَحْزُنْكَ » : « والجيد فتح الياء وضم الزاي ، ويقرأ بضم الياء وكسر الزاي من أحزنني وهي لغة » ليس بجيد ، لأنها قراءة متواترة ، وقد تقدّم دليلها في آل عمران « 3 » . و « يُسارِعُونَ » من المسارعة ، و « فِي الْكُفْرِ » متعلق بالفعل قبله ، وقد تقدّم نظيرها في آل عمران . قوله : « مِنَ الَّذِينَ قالُوا » يجوز أن يكون حالا من الفاعل في « يُسارِعُونَ » أي : يسارعون حال كونهم بعض الذين قالوا ، ويجوز أن يكون حالا من نفس الموصول وهو قريب من معنى الأول ، ويجوز أن تكون « مِنَ » بيانا لجنس الموصول الأول وكذلك « مِنَ » الثانية ، فتكون تبيينا وتقسيما للذين يسارعون في الكفر ، ويكون « سَمَّاعُونَ » على هذا خبر مبتدأ . و « آمَنَّا » منصوب ب « قالُوا » ، وب « أفواههم » متعلق ب « قالُوا » لا ب « آمَنَّا » بمعنى أنه لم يجاوز قولهم أفواههم ، إنما نطقوا به غير معتقدين له بقلوبهم وقوله : « وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ » جملة حالية . قوله : وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا فيه وجهان : أحدهما : ما تقدم ، وهو أن يكون معطوفا على « مِنَ الَّذِينَ قالُوا » بيانا وتقسيما . والثاني : أن يكون خبرا مقدما ، و « سَمَّاعُونَ » مبتدأ ، والتقدير : « ومن الذين هادوا قوم سمّاعون » فتكون جملة مستأنفة ، إلا أنّ الوجه الأول مرجّح بقراءة الضحاك : « سمّاعين » على الذم بفعل محذوف ، فهذا يدل على أن الكلام ليس جملة مستقلة ، بل قوله : « وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا » عطف على « مِنَ الَّذِينَ قالُوا » . وقوله « سَمَّاعُونَ » مثال مبالغة ، و « لِلْكَذِبِ » فيه وجهان : أحدهما : أن اللام زائدة ، و « الكذب » هو المفعول ، أي : سمّاعون الكذب ، وزيادة اللام هنا مطردة لكون العامل فرعا فقوي باللام ، ومثله : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ « 4 » . والثاني : أنها على بابها من التعليل ، ويكون مفعول « سَمَّاعُونَ » محذوفا ، أي : سمّاعون أخباركم وأحاديثكم ليكذبوا فيها بالزيادة والنقص والتبديل بأن يرجفوا بقتل المؤمنين في السرايا كما نقل من مخازيهم . وقوله : « سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ » يجوز أن تكون هذه تكريرا للأولى ، فعلى هذا يجوز أن يتعلّق قوله « لِقَوْمٍ » بنفس الكذب أي : يسمعون ليكذبوا لأجل قوم ، ويجوز أن تتعلق اللام بنفس « سَمَّاعُونَ » أي : سمّاعون لأجل قوم لم يأتوك لبغضهم لا يقربون مجلسك وهم اليهود ، و « لَمْ يَأْتُوكَ » في محلّ جرّ لأنه صفة ل « قوم » . قوله : يُحَرِّفُونَ يجوز أن يكون صفة ل « سَمَّاعُونَ » أي : سمّاعون محرّفون ، ويجوز أن يكون حالا من
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 484 ) . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية ( 176 ) . ( 3 ) انظر تفسير الآية ( 176 ) . ( 4 ) سورة هود ، الآية ( 107 ) .